محمد الغزالي
281
فقه السيرة ( الغزالي )
أجاب عمرو بن أمية قائلا : ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر ! وما كنت لأبقى حتى أقصّ خبره على الرجال ! وهجم على الأعراب يقاتلهم حتى قتل ، وأخذ عمرو أسيرا فأعتقه عامر بن الطفيل كبير الغادرين عن رقبة زعم أنها على أمه ! . [ المصاب الفادح ] : ورجع عمرو إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم حاملا معه أنباء المصاب الفادح ، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين ، تذكّر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد إلا أنّ هؤلاء ذهبوا في قتال واضح ؛ وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة . إنّ هذه النازلة ملأت قلوب المسلمين غيظا ، وهم لم يضيقوا بخسائرهم فحسب ، بل الذي أحرج مشاعرهم في هذه الحادثة أنّها كشفت عما تخبئه الوثنية في ضميرها من غلّ كامن على الإسلام وأهله ، غلّ عصف بكل مبادئ الشرف والوفاء ، وأباح لكل غادر أن يلحق الأذى بالمؤمنين متى شاء وكيف شاء . وفي طريق عمرو إلى المدينة لقي رجلين ظنّهما من بني عامر ، فقتلهما ثأرا لأصحابه ، ثم تبيّن أنهما من بني كلاب ، وأنّهما معاهدين للمسلمين . ولمّا قدم عمرو على الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبره الخبر ، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم للناس : « إنّ أصحابكم أصيبوا ، وإنّهم قد سألوا ربّهم فقالوا : ربّنا أخبر عنّا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنّا » « 1 » . ثم قال النبي صلى اللّه عليه وسلم لعمرو : « لقد قتلت قتيلين لأدينّهما » « 2 » ، وانشغل بجمع دياتهما من المسلمين وحلفائهم اليهود ! . [ استعادة هيبة المسلمين ] : إنّ نجاح الإسلام في ترسيخ أقدامه بالجزيرة أحفظ قلوبا كثيرة ، ولا ريب أنّ تأميل المسلمين في المستقبل ، وارتقابهم المزيد في الفتح زاد ضغن
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في صحيحه : 7 / 312 ، من طريق هشام بن عروة عن أبيه مرسلا . لكن رواه بنحوه موصولا من حديث أنس : 7 / 309 ، 310 ، 311 ؛ والطبراني من حديث ابن مسعود كما في ( المجمع ) : 6 / 130 . ( 2 ) رواه الطبراني ، وابن هشام من طريق ابن إسحاق بسنده مرسلا . وقد تقدم قريبا .